فخر الدين الرازي

179

تفسير الرازي

صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهاراً لعذرهم ومسقطاً للومهم . واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوهاً ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل . سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم ؟ أما قوله تعالى : * ( بل لعنهم الله بكفرهم ) * ففيه أجوبة . أحدها : هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم ، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولاً ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم . وثانيها : المراد من قوله : * ( وقالوا قلوبنا غلف ) * أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية ، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد ، فلم يجد منها شيئاً قوياً . فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول ، وثالثها ؛ لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى : * ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) * ( الأنعام : 20 ) ( البقرة : 146 ) إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر . أما قوله تعالى : * ( فقليلاً ما يؤمنون ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسيره ثلاثة أوجه . أحدها : أن القليل صفة المؤمن ، أي لا يؤمن منهم إلا القليل عن قتادة والأصم وأبي مسلم . وثانيها : أنه صفة الإيمان ، أي لا يؤمنون إلا بقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله ، إلا أنهم كانوا يكفرن بالرسل . وثالثها : معناه لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال : قليلاً ما يفعل بمعنى لا يفعل البتة . قال الكسائي : تقول العرب : مررنا بأرض قليلاً ما تنبت ، يريدون ولا تنبت شيئاً . والوجه الأول أولى لأنه نظير قوله : * ( بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً ) * ( النساء : 155 ) ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم . المسألة الثانية : في انتصاب " قليلاً " وجوه . أحدها : فإيماناً قليلاً ما يؤمنون " وما " مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب ، وثانيها : انتصب بنزع الخافض أي بقليل يؤمنون . وثالثها : فصاروا قليلاً ما يؤمنون . * ( وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) *